ابو جعفر محمد جواد الخراساني

255

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

وغير ذا احتجاب لطفه الأخصّ * وهو بغير أهل وحيه يخصّ وجه الدلالة : انّهم إذا نظروا إلى أنفسهم أنّهم يحجبون بعضهم بعضا ، وأنّهم إذا حجبوا عن شيء ، منعوا عن التصرّف فيه وقد علموا أنّهم مصنوعون ، مدبّرون له تعالى ، ومع ذلك لا يشاهدونه ، علموا أنّهم محجوبون عنه ، لا هو محجوب عنهم ، وعلموا أنّه لا حجاب بينه وبينهم إلّا أنفسهم ، إذ لو كان الحجاب من غيرهم ، لكان مثلهم ممنوعا عن التصرّف ، وهذا الحجاب الّذي من قبلهم لا يضرّ بالصنع والتدبير وإلّا لما صنعهم . [ احتجاب آخر له تعالى ] ثمّ إنّ له تعالى احتجاب آخر عن خلقه ، غير احتجابه الذاتي الناشئ عن بينونة ذاته وبينونة خلقه . وقد عمى امره على المحدّثين فخلطوا اخبارهما ، وعمهوا في تأويل اخبار هذا النوع ، وحقيقة ذلك الاحتجاب ، احتجاب عن العلم والرؤية ؛ فهو احتجاب علميّ : امّا بالرؤية الظاهرة أو بالمعرفة الباطنيّة ؛ وهذا احتجاب لطفي ، يحجب لطفه الخاصّ عن عامّة خلقه . [ احتجاب لطفي ] والفرق بينهما : أنّ الأوّل ممتنع الخلاف ؛ اي يستحيل خلاف الاحتجاب وهذا غير ممنع ، بل هو امر اراديّ يمكن إرادة خلافه . والاوّل غير قابل للتخصيص ، لأنّه ناش عن امر ذاتي ؛ وهذا يقبل التعميم والتخصيص ، لأنّه بالإرادة ، وقد أشرت إلى هذا الاحتجاب بقولي : وغير ذا الاحتجاب ، احتجاب لطفه الأخصّ ؛ فإنّ له تعالى لطف ، عامّ ، يعمّ جميع خلقه بالهداية والإرشاد ولطف خاصّ من التوفيق والتأييد ، يخصّ به أوليائه ، ولطف أخصّ من الوحي والإلهام والمكالمة والمخاطبة ، يخصّ بها أنبياءه ( ع ) وأوصيائهم ( ع ) . وهو ؛ اي احتجاب لطفه الأخصّ ، بغير أهل وحيه يخصّ فهذا الاحتجاب ، احتجاب خاصّ عن غير أهل وحيه ؛ وهذا الاحتجاب ناش عن الكبريائيّة والجلال والجبروتيّة . فانّ مقتضى كبريائيّته وجلاله وجبروتيّته ، ان لا يتوسّل كلّ أحد إلى ساحته بنفسه . وممّا ورد عنهم ( ع ) في ذلك ، ما عن أبي حمزة الثمالي ، قال : قلت لعلي بن الحسين ( ع ) ، لايّ علّة حجب اللّه - عزّ وجلّ - الخلق عن نفسه ؟ قال ( ع ) : « لأنّ اللّه تبارك وتعالى بناهم بنية على الجهل ، فلو أنّهم كانوا ينظرون إلى اللّه - عزّ وجلّ - لما كانوا